الآلوسي

33

تفسير الآلوسي

كثر دوره ، وقد أجاز يونس حذف النون من هذا الفعل أيضاً في مثل قوله : فإن لم ( تك ) المرآة أبدت وسامة * فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم وسيبويه يدعي أن ذلك ضرورة ، وقرأ ابن كثير * ( حسنة ) * بالرفع على أن * ( تك ) * تامة أي وإن توجد أو تقع * ( حسنة ) * . * ( يُضاعفْهَا ) * أضعافاً كثيرة حتى يوصلها - كما مر عن أبي هريرة - إلى ألفي ألف حسنة ، وعنى التكثير لا التحديد ، والمراد يضاعف ثوابها لأن مضاعفة نفس الحسنة بأن تجعل الصلاة الواحدة صلاتين مثلاً مما لا يعقل ، وإن ذهب إليه بعض المحققين ، وما في الحديث - من أن تمرة الصدقة يربيها الرحمن حتى تصير مثل الجبل - محمول على هذا للقطع بأنها أكلت ، واحتمال إعادة المعدوم بعيد ، وكذا كتابة ثوابها مضاعفاً ، وهذه المضاعفة ليست هي المضاعفة في المدة عند الإمام لأنها غير متناهية ، وتضعيف غير المتناهي محال بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار ، مثلاً يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين جزءاً أو ثلاثين أو أزيد ، وقيل : هي المضاعفة بحسب المدة على معنى أنه سبحانه لا يقطع ثواب الحسنة في المدد الغير المتناهية لا أنه يضاعف جل شأنه مدتها ليجيء حديث محالية تضعيف ما لا نهاية ، وجعل قوله تعالى : * ( وَيُؤْت من لَّدُنْهُ أَجْراً عَظيماً ) * على هذا - عطفاً لبيان الأجر المتفضل به ، وهو الزيادة في المقدار إثر بيان الأجر المستحق وهو إعطاء مثله واحداً بعد واحد إلى أبد الدهر ، وتسمية ذلك أجراً من مجاز المجاورة لأنه تابع للأجر مزيد عليه ، وعلى الأول جعله البعض وارداً على طريقة عطف التفسير على معنى يضاعف ثواب تلك الحسنة بإعطاء الزائد عليه من فضله ، وزعموا أن القول بالأجر المستحق مذهب المعتزلة ولا يتأتى على مذهب الجماعة - وليس بشيء - لأن الجماعة يقولون بالاستحقاق أيضاً لكن بمقتضى الوعد الذي لا يخلف ، وبه يكون الأجر الموعود به كأنه حق للعبد كما أنه يكون كذلك أيضاً بمقتضى الكرم كما قيل : وعد الكريم دين ، نعم حمل الأجر على ما ذكر لا يخلو عن بعد ، والداعي إليه عدم التكرار ، وقال الإمام أيضاً : " إن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود بها في الجنة ، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية والاستغراق في المحبة والمعرفة . . . وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية ، وهذا الأجر إشارة إلى السعادات الروحانية " ، ولا يخلو عن حسن ، و - لدن - بمعنى عند ، وفرق بينهما بعضهم بأن لدن أقوى في الدلالة على القرب ، ولذا لا يقال : لديّ مال إلا وهو حاضر بخلاف عند ، وتقول : هذا القول عندي صواب ، ولا تقول : لدي ولدني - كما قاله الزجاج - ونظر فيه بأنه شاع استعمال لدن في غير المكان كقوله تعالى : * ( من لدنا علماً ) * ( الكهف : 65 ) اللهم إلا أن يخرج ما قاله الزجاج مخرج الغالب ، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وابن جبير - يضعفها - بتضعيف العين وتشديدها ، والمختار عند أهل اللغة والفارسي أنهما بمعنى ، وقال أبو عبيدة : ضاعف يقتضي مراراً كثيرة ، وضعف يقتضي مرتين ، ورد بأنه عكس اللغة لأن المضاعفة تقتضي زيادة الثواب فإذا شددت دلت البنية على التكثير فيقتضي ذلك تكرير المضاعفة ، وقد تقدم من الكلام ما ينفعك فتذكر . . * ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَاؤُلاءِ شَهِيداً ) * . * ( فَكَيْفَ إذَا جئْنَا من كُلِّ أُمَّة بشَهيد ) * الفاء فصيحة ، و ( كيف ) محلها إما الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف ، وإما النصب بفعل محذوف على التشبيه بالحال - كما هو رأي سيبويه - أو على التشبيه بالظرف